القائمة الرئيسية

الصفحات

موضوع عن سوء الظن بالنفس


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12]، فأمر سبحانه باجتناب الكثير لا كل الظن، وقال: إن بعض الظن إثم ولم يقل: إن كل الظن إثم، فدل ذلك على جواز الظن السيء إذا ظهرت أماراته، رؤيت دلائله، فالذي يقف مواقف التهم يظن به السوء، والمرأة التي تخلو بالرجل يظن بها السوء، والتي تغازل الرجال فيما يتعلق بالزنا والزيارات بينها وبين الرجل متهمة بالسوء، وهكذا من أظهر أعمالاً تدل على قبح عمله يتهم، أما إساءة الظن بدون سبب فلا تجوز، لا يجوز للمسلم أن يسيء الظن بأخيه بدون علة وبدون سبب ولا بأخته في الله بدون سبب، وهذا معنى اجتنبوا كثيراً من الظن وهو الظن الذي لا سبب له ولا موجب له هذا حرام لا يجوز، وعلى هذا المعنى يحمل الحديث الصحيح وهو قوله ﷺ: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث يعني: الظن الذي لا سبب له ولا موجب له، بل يظن بغير تهمة وبغير سبب، هذا ظالم مخطي لا يجوز، أما إذا كان ظن له أسباب فلا حرج فيه. .

حكم سوء الظن بالنفس:

سوء الظن بالنفس اختلف فيه العلماء، فمنهم من رأى الاستحباب. قال ابن القيم: (أما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالا، فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك.

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ،(سورة الحجرات آية 12).

إنه أمر إلهى كريم من الله عز وجل بحسن الظن بالناس والابتعاد عن سوء الظن بهم، وعدم التفتيش فى سرائرهم وقلوبهم التى لا يعلمها إلا الله. وها هو الإمام الشافعي، رحمه الله، يلخص فى أبيات شعرية قليلة آفة سوء الظن التى كانت سببا فى شيوع الكذب وقطع الأرحام وانتشار الشائعات والخلافات بين الأهل والجيران والزملاء فى العمل، فيقول:«لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ، فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ.. وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً، فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ .. وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى، ودَافع ولكن بالتى هِيَ أحسَنُ».

وسوء الظن - كما يؤكد علماء الدين - يعتبر من الأمراض الأخلاقية الخطرة، فمن غطّى غبار سوء الظّن صفحة قلبه الصافية، لا يرى الآخرين على جمالهم ولا يمكنه إدراك الواقع، أما حسن الظن، ففيه سلامة الصدر وتدعيم روابط الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع، فلا تحمل الصدور غلا ولا حقدا، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا...»، وإذا كان أبناء المجتمع بهذه الصورة المشرقة فإن أعداءهم لا يطمعون فيهم أبدا، ولن يستطيعوا أن يتبعوا معهم سياستهم المعروفة «فرِّق تَسُد»، لأن القلوب متآلفة، والنفوس صافية.

ودعا علماء الدين إلى التخلق بخلق حسن الظن، وتجنب آفة سوء الظن، باعتبارها «فتنة» تدمر المجتمع، وتوقع التناحر والصراع الاجتماعى بين أفراد المجتمع، مما يعوق عملية التنمية والإنتاج، وتفرز جرائم متنوعة، تطالعنا بصورها وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعى كل يوم.

ويقول الشيخ عبدالعزيز النجار، مدير عام الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، إن سوء الظن من الرذائل الأخلاقية التى تؤدى الى الفرقة بين أفراد الأسرة وتمزق وحدتها، وتزيل الثقة بين الناس، وإذا زالت الثقة، فلا تكاتف ولا تعاون فى حركة المجتمع، وبالتالى يكون تفتيت وتدمير الأمة، قال النبى صلى الله عليه وسلم «ان الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء، وقد قال الإمام على، رضى الله عنه: «لا إيمان مع سوء ظن»، وقال أيضا «سوء الظن يفسد الأمور ويبعث على الشرور».

  قال النووي: روي أهلكهم على وجهين مشهورين، رفع الكاف، وفتحها. والرفع أشهر، ويؤيده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الأولياء، في ترجمة سفيان الثوري، فهو من أهلكهم. قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: الرفع أشهر، ومعناها أشدهم هلاكا.

وأما رواية الفتح، فمعناها هو جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة. واتفق العلماء على أن هذا الذم، إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس، واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه. قالوا: فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه، وفي الناس من النقص في أمر الدين، فلا بأس عليه. كما قال أنس: لا أعرف من أمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنهم يصلون جميعا. هكذا فسره الإمام مالك، وتابعه الناس عليه.

أكد فضيلة الداعية د. محمود عبدالعزيز أن من أكثر ما يبتلى به الناس على مر العصور هو سوء الظن ببعضهم البعض، حتى أن شجرة علاقاتهم الاجتماعية كادت تذبل، وجذورها تقطع، وأوراقها تتساقط، فتتداعى وتفنى. وأوضح في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع المانع بالوعب أن سوء الظن من الصفات الرذيلة وهو من الأمراض الأخلاقية المدمرة، مشيرا إلى ان من غمر قلبه سوء الظن، فإنه لا يرى الناس على حقيقتهم، ولا يمكنه إدراك الواقع. ولفت إلى ان الدين الإسلامي حذر من هذا الخلق الذميم، مشيرا إلى قول الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم* ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم». وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله، وأن يظن به ظن السوء». واكد ان الإنسان الضعيف يلجأ للظن بالآخرين لسبب في نفسه؛ كأن يرى الناس بعين طبعه، فإذا كان لئيماً ظن كل الناس يتمتعون باللؤم، وإن كان خبيثاً، سارقاً، كاذباً، فاتناً، ظن كل من حوله مثله.

تعليقات